محمد هادي معرفة
293
التمهيد في علوم القرآن
تغييب العقل والتعقّل ، على الرغم من اهتمامه بالمعرفة التي مصدرها الوجدان الداخلي والإدراك الخاصّ ، قال تعالى : أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . . « 1 » . وهكذا نجد أنّ القرآن عندما يفرغ من عملية استنهاض وحثّ منطق الوجدان في أية عملية تأمّل نجده أيضا في عين الوقت يدعو إلى اعتماد الأدلّة والبراهين الفلسفية والعلمية في إثبات المطالب . إنّ القرآن يقدّم لنا أيضا عيّنة من هذه البراهين ، ويترك مساحة مناسبة لحركة العقل والاستعانة بالحواس . وهذا أساس آخر من أسس المنهج : قال تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ « 2 » . وقال تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى « 3 » أي لذوي العقول . وقال تعالى : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا « 4 » . إنّ القرآن الكريم من خلال ذلك كلّه يريد أن يقول لنا : إنّ البحث والتأمّل في الآفاق وفي الأنفس وفي ما حولنا يجب أن يلتزم البرهان والدليل ويتوسّل بالحسّ والتجربة كلّما أمكن ذلك ، قال تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ « 5 » . ولكن ما هي الخطوات التي يمكن أن تتبع للوصول إلى الحقائق وتأسيس القناعة المطلوبة فيكون المنهج الذي يحدّده القرآن ويضعه بين أيدينا منهجا علميا منتجا .
--> ( 1 ) إبراهيم : 10 . ( 2 ) آل عمران : 190 . ( 3 ) طه : 53 و 54 . ( 4 ) آل عمران : 191 . ( 5 ) فصّلت : 53 .